الحياة في شارع سوريا

الحياة في شارع سوريا

امتدت آثار النزاع الحضري في سوريا لتلقي بظلالها على المدن في البلدان المجاورة بشكلٍ كبير. ويستضيف لبنان نحو 1.2 مليون سوري فيما يوازن خطوط تصدعات بنيته الطائفية المعقدة. ويزيد القتال الدائر في سوريا اليوم من التوترات بين كلٍّ من جانبي الشارع الرئيسي في طرابلس: شارع سوريا.

يرى الكثيرون أن لبنان، الذي يضم 18 طائفة دينية مختلفة تتعايش جميعها في توافق هش، يمثل المجتمع الأكثر تنوعاً دينياً في الشرق الأوسط. ومدينة طرابلس أيضاً، ثاني أكبر مدن لبنان، مدينة متنوعة للغاية. ولطالما كانت  مسرحاً لاندلاع متكرر من العنف المسلح بين الأحياء المهمشة في باب التبانة وجبل محسن.

وعلى الرغم من الهدوء الذي تشهده الأحياء اليوم، فإن أكثر من 20 حلقة من الاشتباكات العنيفة بين سكان باب التبانة من المسلمين السنة وسكان جبل محسن من المسلمين العلويين قد أدت إلى مقتل أكثر من 200 شخص خلال السنوات العشر الماضية.

ومع استمرار احتدام الحرب الأهلية في سوريا على بعد 40 دقيقة فقط، لا تزال هاتان المجموعتان المتجاورتان منقسمتين على أسس سياسية متناقضة في معارضتهما للحكومة السورية أو دعمها.

أحمد إبراهيم علي
من سكان حي جبل محسن

أنا سوري ولكنني ولدت هنا في جبل محسن وزوجتي من حي التبانة، لذلك فإننا عائلة مختلطة للغاية. قبل بدء الاشتباكات، كنت عملياً أقيم في حي التبانة الذي كنت أعده بمثابة وطني. ولكن بعد الاشتباكات لم تعد لدي الشجاعة لأقضي فترات طويلة هناك.  كنت أبيع القهوة بالقرب من المسجد في حي التبانة. كان ذلك عندما كان الناس لا يهتمون بخلفيتي الطائفية. بات علي اليوم أن أبيع بضاعتي على هذا الجانب من شارع سوريا.

قبل انفجار الأوضاع مررت على مثل يقول: “تزرع البذور هناك، لتنضج الثمار هنا”، وهذا يعني أن الصراع ينفجر في سوريا ولكن العواقب تمتد إلى هنا في لبنان. لقد تحقق هذا المثل بالفعل. كل ما أتمناه أن نتخلص من التفكير الطائفي وأن نتحد جميعاً.

رامي
من سكان حي باب التبانة

بالنسبة لي، يحمل شارع سوريا الكثير من المعاني. هذا الشارع حقيقةً هو شريان الحياة لكلٍ من باب التبانة وجبل محسن. ولكن الشارع لن يعود أبداً إلى ما كان عليه بالنسبة للتجارة وإلى دوره كمكانٍ لتوحيد السنة والعلويين معاً. لقد كان يمثل الخط الفاصل خلال الاشتباكات وأصبح يحمل اليوم الكثير من الذكريات السيئة.

لقد أثرت الاشتباكات هنا علي شخصياً منذ الوهلة الأولى. أحرق بيتي بينما كان أشقائي لا يزالون بداخله أثناء القتال في عام 2008. منذ ذلك الحين، لم نعد نَخَف من أي شيء، ولم نعد نشعر بأي شيء أو نهتم بأي شيء. إننا على قيد الحياة ببساطة لأننا لم نمت بعد. فلا وظائف لدينا، بل ونذوق الأمرّين حتى في الحصول على المياه.

 والحقيقة أن كلاًّ من هذين الحيين كانا محرومين ومهملين من قبل الحكومة، مما سهل التلاعب بعقول الشباب هنا. بدأت أتسكع في الشارع مع المقاتلين عندما كنت في السابعة عشر من عمري فقط. فعندما يكبر الفتيان وهم يشاهدون آباءهم يسعون خلف الدخل المتواضع الذي يمكنهم تحصيله، لن يضعهم هذا على الطريق الصحيح في نهاية المطاف أبداً. أعرف رجالاً هنا قد يحصلون على 100 دولار أمريكي مقابل حمل بندقية وفتح النار، ثم يأخذون هذا المال لإطعام أسرهم. وإن كان لشخص ما سبعة أو ثمانية أطفال، فسوف يفعل أي شيء للحصول على 100 دولار أمريكي.

وبعد أن بدأت  وتيرة الاشتباكات بالتراجع في العام الماضي، بدأنا ندرك أن كل حي لديه العديد من المفاهيم الخاطئة عن الآخر. لقد اكتشفنا أننا لسنا مختلفين عن بعضنا البعض أبداً. فالعلويون يصلون ويصومون مثلنا، ولقد حظيت اليوم ببعض الأصدقاء من جبل محسن. نريد جميعاً العيش في وطننا بكرامة فحسب، ومن دون الحاجة إلى مساعدة الآخرين.

هناء عوّاد
من سكان حي باب التبانة

كان شارع سوريا يسمى “الشارع الذهبي” لأنه كان مركزاً مزدهراً للأعمال والتجارة. لكنّ جميع المتاجر الكبرى انتقلت إلى أجزاء أخرى من طرابلس نتيجة العنف. فما زال بالإمكان رؤية اللافتات القديمة، لكنّ المحلات التجارية فارغة وليس هناك حياة حقيقية.
مع تصاعد وتيرة الاشتباكات، توقف الزبائن الذين كانوا يأتون من بيروت بسبب الخوف. كان لدى زوجي معرض سيارات جميل في شارع سوريا، لكنّه اضطر في نهاية المطاف لإغلاق المحل، ولكن ما الذي سنفعله ولدينا سبعة أطفال، بعد أن أنفقنا كل مدخراتنا في فترة وجيزة؟ أصيب زوجي بالاكتئاب ولزم المنزل، لذلك قررت ترك المنزل لأول مرة للحصول على دخل مناسب يكفينا.

ملاك جعفر
مسؤولة إعلامية في اللجنة الدولية للصليب الأحمر في لبنان

كنت أصغر من أن استوعب ما يجري من حولي. بينما كان والداي يشربان القهوة في فترة ما بعد الظهيرة على شرفتنا في بيروت، أشرت إلى الثقوب التي خلفتها ثلاث رصاصات في الجدار وسألت والدي من أين جاءت هذه الرصاصات. “لماذا يقوم شخص ما بإطلاق النار على منزل شخص آخر؟” تساءلت روحي البريئة التي تبلغ من العمر 8 سنوات.
ولطالما كان يجيبني الإجابة نفسها: “الحرب الأهلية في لبنان التي استمرت لمدة 15 عاماً”. لكنّني ولدت بعد الحرب. لم أكن أعي ما الذي تعنيه الحرب الأهلية أو أن الحرب قد سببت أضراراً بالغة تتجاوز بكثير ثقوب الرصاصات الثلاث على باب شرفتنا، وهذا هو الأثر الأهم بالطبع.
وكلما كبرت كلما زاد إدراكي بأن ولادتي بعد وقف إطلاق النار لا تغيّر واقع الأمور: كانت الحرب موضوعاً أساسياً لحياة الجميع – صغاراً أو كباراً – في لبنان.
ترى هذه الآثار في المباني المثقوبة بالرصاص في جميع أنحاء البلاد وفي الناس الذين حملوا ندوبها الجسدية والنفسية. نسمع عنها في قصص الطفولة التي كان يقصها علينا آباؤنا وأمهاتنا في أي موضوع يتعلق بلبنان والذي غالباً ما يبدأ بعبارة “قبل الحرب…”
انضممت إلى فريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر مع بداية الأزمة السورية بالقرب منا لأعمل كمسؤولة إعلامية. أردت أن أكون جزءاً من المنظمة التي خففت من بعض معاناة أهلي خلال الحرب.
عندما زرت جبل محسن وباب التبانة للمرة الأولى، شعرت بأن ما رأيته يمثل صفعة على الوجه. لقد ظننت أن الحرب اللبنانية قد انتهت. لماذا تبدو هاتان المنطقتان وكأنهما عالقتان في الماضي؟ كان المدنيون يعيشون وسط تبادل إطلاق النار حيث تحولت جميع منازلهم وأعمالهم وحتى مدارسهم إلى ساحات قتال.
ومثل والدي ومعظم الناس الذين عاشوا تجربة الحرب الأهلية حاول السكان أن يشرحوا لي كيف يمكنهم العيش بسلام خلال النهار ثم يقومون باستهداف بعضهم البعض في الليل.
وفي أحد المنازل في شارع سوريا، كنّا نصوّر فيلماً مع إحدى العائلات المستفيدة من مشروع للجنة الدولية يهدف إلى مساعدة السكان المحليين على تعزيز مصادر كسب العيش ، وكانت الأم ترينا غرفة نوم ابنتها. كان الأثاث الوردي والأرجواني مليئاً بثقوب الرصاص. وبينما كانت تقص علينا قصتها قاطعتها ابنتها البالغة من العمر 11 عاماً متسائلة: “لماذا يقوم شخص ما بإطلاق النار على منزل شخص آخر؟”

This post is also available in: الإنجليزية الفرنسية الأسبانية